جعفر بن البرزنجي
546
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
[ قصة الراعي ] ولما رجع سراقة سارا ليلتهما كلها حتى قام قائم الظهيرة ، وخلا الطريق فلا يرى فيه أحد ؛ نزلا عند صخرة طويلة لها ظل ، قال أبو بكر - رضى اللّه عنه - : فسويت بيدي مكانا ينام فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ظلها ، ثم بسطت له فروة كانت معي ، ثم قلت له : يا رسول اللّه ، نم وأنا أتحسس وأتعرف من تخافه ، فنام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا براع يقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا - وهو الظل - فلقيته ، فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من أهل مكة ، فسمّاه ، فعرفته ، فقلت له : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم . قلت : أفتحلب لي . قال : نعم ، فأخذ شاة فحلب لي في قعب معه ، فأتيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فوقفت حتى استيقظ ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله ، فقلت : يا رسول اللّه ، اشرب من هذا اللبن ، فشرب - لأنه جرت عادة العرب بإباحة مثل ذلك لابن السبيل كما تقدم - ثم قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ألم يأن للرحيل ؟ » قلت : بلى قد آن الرحيل يا رسول اللّه « 1 » . وهذا قطعا غير قصة العبد الراعي الذي استسقياه اللبن فقال : ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا « 2 » أخدجت « 3 » عام أول ، وما بقي لها لبن ، فقال : « ادع بها » ، فاعتقلها صلى اللّه عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا ربه حتى أنزلت ، وجاء أبو بكر بمجنّ « 4 » فحلب فسقى أبو بكر ، ثم حلب فسقى الراعي ، ثم حلب فشرب ، فقال الراعي : باللّه من أنت ؟ فو اللّه ما رأيت مثلك . قال : « أو تراك تكتم علىّ حتى أخبرك ؟ » قال : نعم . قال : « فإني محمد صلى اللّه عليه وسلم » قال : أنت الذي تزعم
--> ( 1 ) مسند أحمد ( 1 / 2 ) ، المنتظم ( 3 / 54 ) ، دلائل النبوة للبيهقي ( 2 / 497 ) ، البداية والنهاية ( 3 / 194 ) . ( 2 ) العناق : الأنثى من ولد الماعز قبل استكمالها الحول . ( 3 ) يقال أخدجت الشاة إذا جاءت بولدها ناقص النمو . ( 4 ) المجن : الترس ، سمى مجنا لأنه يوارى حامله أي يستره ، ولعله المحلب أي الإناء الذي يحلب فيه .